اسماعيل بن محمد القونوي
323
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( إذ صح أنكم ظلمتم في الدنيا بدل من اليوم ) أي تحقق وظهر وإنما أوله لدفع وهم وهو إذ ظرف لما مضى في الدنيا فكيف يكون بدلا من اليوم وقد اشترط فيه اتحاد الزمان ولما أول بما ذكر صح البدلية فإن ثبوت الظلم وتحققه أي ظهوره في ذلك اليوم والصحة والتحقق وإن كان ماضيا لكن لما لم ينقطع ذلك الصحة والتحقق حصل الثبوت والتحقق في ذلك اليوم بخلاف الظلم فإنه انقطع والباقي أثره فلا إشكال بأنه كيف صح وإذ للتحقق في الماضي فالإشكال باق بعد نظيره كان اللّه عليما حكيما فلا حاجة إلى الإطناب الذي ارتكبه المحشي في دفع الإشكال حيث قال لما كان تبين ظلمهم ماضيا تأويلا وحالا تحقيقا روعي الاعتبار أن فادخل إذ نظرا إلى الاعتبار الأول وابدل من اليوم نظرا إلى الثاني وأنت تعلم أن رعاية الاعتباران في اطلاق واحد غير معقول في مثل هذا المقام ومنع ثانيا اختصاص إذ بالمضي فإنه قد يستعمل في الاستقبال كقوله تعالى : فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [ الزخرف : 89 ] إِذِ الْأَغْلالُ [ غافر : 71 ] الخ وهنا فليكن بمعنى الاستقبال والظاهر أن استعماله في الاستقبال مجاز إذ الاشتراك خلاف الأصل وهنا يمكن الحقيقة لما ذكرناه ثم ادعى أن الأظهر حملها على التعليل فيتعلق بالنفي ذاهبا إلى أنه جوزه سيبويه وإن أنكره الجمهور فقيل له عليك بقول الجمهور فإنه هو المشهور ثم نقل والتقدير بعد إذ ظلمتم ثم قال ولعل الأولى أن يقال إن ذلك للدلالة على أنه تعالى لا يجري عليه زمان فالماضي والاستقبال عنده بمنزلة الحال ولا كلام في صحة هذا الكلام لكن القرآن لما نزل على محاورات العرب روعي الزمان حتى اشتغل أهل البلاغة النكتة في صورة اتيان الماضي موضع الاستقبال وبالعكس ولم يكتفوا بالعلم الذي لا يجري فيه « 1 » زمان . قوله : بدل من اليوم فإن قلت كيف يكون إذ بدلا من اليوم واليوم يوم القيامة ووقت ظلمهم ليس عين يوم القيامة ولا بعضا منه حتى يكون بدل الكل أو البعض ولا ملابسة بينهما حتى يكون بدل الاشتمال وبدل الغلط لا يجري في كلام اللّه قلنا المراد وقت تبين ظلمهم وظهوره لا وقت صدور الظلم منهم كقوله : إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة أي تبين أني ولد كريمة فالمعنى إذ تبين وصح أنكم ظلمتم أنفسكم فوقت تبين ظلمهم وصحته إنما هو في يوم القيامة وإن كان صدور الظلم منهم في الدنيا فإن اعتبر وقت التبين جزء من يوم القيامة يكون بدل البعض من الكل وإن اعتبر عينه بناء على أن يوم القيامة كله زمان التبين يكون بدل الكل قال أبو البقاء أما إذا فمشكلة لأنها ظرف زمان ماض ولن ينفعكم واليوم المذكور ليس بماض قال ابن جني في مسائله راجعت أبا علي فيها مرارا فآخر ما حصلت منه أن الدنيا والآخرة متصلتان وهما سواء في حكم اللّه تعالى وعلمه فيكون إذ بدلا من اليوم حتى كأنها مستقبلة وكان اليوم ماض وقال غيره الكلام محمول على المعنى والمعنى أن ثبوت ظلمهم عندكم يكون يوم القيامة فكأنه قال ولن ينفعكم اليوم إذ صح ظلمكم عندكم فهو بدل أيضا هذا هو الذي عناه القاضي رحمه اللّه بقوله إذ صح ظلمكم وإذ بدل منه وهذا يرجع إلى التأويل المذكور في إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة وقال أبو البقاء وقال آخرون
--> ( 1 ) وإلا لانسد باب المزايا والنكات المتداولة بين البلغاء الثقات .